جلال الدين السيوطي
46
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ما شأنك ؟ أصابتك مصيبة ؟ قال : لا . قلت : أفمرض عراك ؟ قال : لا . قلت : فما سبب هذا التغيّر الذي أراه بك ؟ فقال : قصدت بعض القرابة في حيّ بني فلان ، فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها ، وعليها قميص وقناع مصبوغان ، وفي عنقها طبل توقّع عليه ، وتنشد هذا الشعر : محاسنها سهام للمنايا * مريّشة بأنواع الخطوب برى ريب المنون لهم سهاما * يصيب بنصله مهج القلوب فأجبتها : قفي شفتي في موضع الطبل ترتقي * كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن هبيني عودا أجوفا تحت شنّة * يمتّع فيما بين نحرك والذقن فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل ، فرمت به في وجهي ، وبادرت إلى الخباء ، فدخلت ، فلم أزل واقفا إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي ، لا تخرج إليّ ولا ترجع إليّ جوابا ، فقلت : أنا معها والله كما قال الشاعر : فوالله يا سلمى لطال إقامتي * على غير شيء يا سليمى أراقبه ثم انصرفت سخين العين [ قريح ] القلب بهذا الذي ترى بي من التغيّر من عشقي [ لها ] . فضحك الرشيد حتى استلقى ، وقال : ويحك يا عبد الملك ، ابن ستّ وتسعين سنة يعشق ؟ قلت : قد كان هذا يا أمير المؤمنين . قال : يا عباسيّ . فقال الفضل بن الربيع : لبّيك يا أمير المؤمنين . فقال : أعط عبد الملك مائة ألف درهم ، وردّه إلى مدينة السلام . فانصرفت ، فإذا خادم يحمل شيئا ومعه جارية تحمل شيئا ، فقال : أنا رسول بنتك - يعني الجارية التي وصفتها - وهذه جاريتها وهي تقرأ عليك السلام ، وتقول أنّ أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب ، هذا نصيبك منهما . فإذا المال ألف دينار . وهي تقول : لن نخليك من المواصلة بالبرّ . فلم تزل تعهّدني بالبرّ الواسع الكثير حتى كانت فتنة محمد ، فانقطعت أخبارها عني ، وأمر لي الفضل بن الربيع من ماله بعشرة آلاف درهم .